واصف جوهرية

196

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية

كان معلمي هذا عمر البطش ( عالمي ) في حفظ وإتقان فن الموشحات الجميل ذلك النوع الذي إختفى ويا للأسف في جميع الأقطار العربية ولم يبق محافظ عليه إلا في مدينة حلب الشهباء وكان يحدثني كثيرا على معلمه الموسيقار السيد علي درويش المرجع العالمي لهذا النوع هناك . وقد اعترفت حقا بأن الموشح هو الموسيقى الكلاسيكية في الموسيقى العربية وهو عمادها وقد حسدنا الغرب قاطبة على هذا النوع الغني في معانيه وأنغامه وألحانه وإيقاعه وهو مرغوب جدا عند الغربيين لعدم وجوده في موسيقاهم من الألحان التي يستعمل فيها أرباع أو ربع الصوت أو ربع الدرجة الصوتة بالنظر لغناء السلم الموسيقي العربي في هذه الأرباع ثم وجود الإيقاع الذي يعجب الموسيقي الأجنبي عند الاستماع إليه ويعترف بمقدرة ومهارة الأقدمين من العرب في هذا الفن الرفيع . وهكذا وبواسطة تعليمي هذه الموشحات وأوزانها من أستاذي الأكبر عمر البطش شعرت بقوة فائقة في الموسيقى وكان لهذه الموشحات الفضل الأكيد في ترقية مواهبي الفنية عزفا وغناء وشكرت الباري عز وجل الذي أوصلني لدرجة أصبحت فيها أنتقد الكثيرين من موسيقي بيت المقدس من محترفين وهواه والذي ذكرتهم سابقا من هذا الكتاب وأكثرهم لا يعرفون الأوزان بل كانوا ينشدون الموشح ويعزفونه على آلاتهم ببساطة وبدون نظام البتة في الإيقاع بل على ضرب الواحدة . كنت أكاد أجن فرحا عندما كنت أتعلم الموشح وكان عندي عيدا سعيدا عندما أسمعه إلى أستاذي الأكبر فيتشجع ويعطيني سواه وكنت أكرمه بلا هوادة بواسطة حسين أفندي الحسيني وكان محتاجا إلى المساعدة ونحن في الحرب وبعيد عن بلده وأهله . كثيرا ما كان يؤلف التواشيح الجديدة ثم يلحنها ويربطها بالأوزان وأنا أجلس معه فأدهش من أمره وفنه وكان رحمه اللّه يتفانى في الغناء بكل وضاعة [ يبدو أن المؤلف يريد كلمة التواضع ] فعندما كنت أدعوه إلى سهرة فيلبي الطلب ويحضر بلا عاقة ولا تردد وهكذا أصبح الموسيقي عمر البطش حاكم القلوب في مدينة القدس ولي معه ذكريات عديدة في بيوت أعيان مدينة القدس الكثيرة وكان لا يغني إلا متى كنت أنا أرافقه بالعزف على العود ثم يسكت وأبقى أنا أغني ذلك التوشيح وأعزفه بمفردي فيعلق عليه فيما بعد وبهذه الصورة اكتسبت منه الشيء الكثير وكان من حسن حظي وهو ولا شك كان موهوبا وكان بالنظر إلى كثرة محفوظاته من الأغاني وعلى الأخص التواشيح منها يزيد ألحان مبتكرة منه على ما كنا ننشده في الحال وبدون كلفة فيرقص المستمع إليه طربا وما أحلى تلك الليالي . استعمال السلام في الإيقاع ومن عظم حبه وهوايته للموسيقى وتقديره للإيقاع في التوشيح حصل معنا حادث طريف أرغب أن أدونه للقارئ ليرى منه هواية عمر البطش الحقة وليأخذ فكرة واضحة عن علمه وفنه :